اغلاق
شعار موقع وازكام

بقلم رانية عقل | «اصطفوا»… من كسر التطبيع مع الخلل إلى تغيير موازين القوى

, تم النشر 2026/11/01 20:50

«الله أكبر». يرتفع الأذان، فيجتمع الناس للصلاة. وبنداء الإمام «اصطفوا، استووا، وسدوا الخلل»، تنتظم الصفوف كتفاً بكتف. انضباط مهيب لا تحكمه سلطة ولا تفرضه قوة قاهرة، بل إيمان يمنح الفعل معناه، وثقة بمن يقود، وقواعد مشتركة، والتزام يعرف فيه كل فرد أن له دوراً في استقامة الصف. وبخبر نعي مقتضب، تفيض المقابر بالمواساة وتتقاسم الأكتاف حمل النعش. وحين يحتاج مريض إلى علاج، تتداعى العائلات والبلدات لتجمع مئات آلاف الشواكل في ساعات معدودة.

نحن مجتمع يعرف كيف يلبي النداء ويحشد طاقته حين يمس الأمر وجدانه. لكن السؤال الحارق الذي نتهرب منه: أين تذهب هذه القدرة أمام الخلل الذي يستنزف حياتنا كل يوم؟ كيف نجتمع بهذه القوة لوداع الضحايا والمواساة في الفواجع، ثم نبقى متفرقين أمام الضرر الصامت الذي يصنع فواجعنا المقبلة؟ ولماذا نستطيع جمع المساعدة العاجلة، بينما نعجز عن بناء قوة توقف تلوثاً يهدد صحة بلداتنا بأكملها؟

هذا الاستعداد للمبادرة ليس غريباً عنا، وتاريخنا شاهد عليه. في حرب الخليج عام 1991، كنت طالبة في المرحلة الإعدادية؛ كنا شباباً نتطوع استجابة لحاجة مجتمعنا في الأزمة. حملنا لفائف النايلون وأشرطة اللصق، وطفنا بيوت المسنين والنساء غير المتزوجات، نساعدهم في تجهيز غرفة آمنة وإحكام إغلاق منافذها استعداداً لخطر كيماوي كنا نخشاه. وفي حرائق بلداتنا وأحراشها، يسارع الأهالي إلى حماية بيوتهم وأرضهم بما يتاح لهم من جرارات ومياه وأدوات. غير أن النجدة تستجيب لحدث طارئ ومباشر ينتهي بانتهاء الخطر، بينما حماية الحياة اليومية معركة نَفَس طويل؛ تحتاج عملاً يتكرر، وأدوات ضغط تتراكم، ومسؤوليات محددة لا تتلاشى بانفضاض الحشد.

المشكلة تبدأ حين يطول بقاء الضرر حتى نعتاده. فحين يتكرر حرق النفايات، نتعلم متى نغلق النوافذ. وحين تفيض المياه العادمة، نسلك الطريق البديل. وحين يغيب الحيز الآمن للأطفال، نضيّق حركتهم خوفاً عليهم. نكتسب مهارة مريرة في احتمال الأذى، فنخسر في المقابل قدرتنا على مساءلته. هذا ما أعنيه بالتطبيع القسري مع الخلل؛ ظروف تقهرنا على التكيف، فيبدأ التكيف برسم حدود توقعاتنا، حتى يصبح أقصى طموحنا عبور اليوم بأقل خسارة ممكنة.

يشبه حالنا جسداً أثقله المرض، وحين يُسأل صاحبه: «وين بوجعك؟»، يجيب: «كلي بوجعني». الألم حاضر وممتد، لكن صاحبه يعجز عن تمييز مواضعه، فيطول الفحص وتتأخر المعالجة. وكذلك المجتمع؛ نشعر بالتعب والضيق، ويصعب علينا فرز حاجاتنا وترتيب أولوياتنا. نطالب بحاوية إضافية، بينما العلة الحقيقية غياب منظومة كاملة للجمع والرقابة ومنع الحرق. وتعيش كل عائلة خطر الهدم أو التلوث كأزمة معزولة تخصها وحدها، فتتفرق الطاقات، وتستقر العبارة التي تحاصر الناس: «كل الناس واقعة بنفس المصيبة، شو طالع بإيدي؟».

وعندما يفيض الكيل، يتحول الاحتجاج غير المنظم إلى صمام تنفيس؛ فحين ينفض الحشد دون هدف عيني أو متابعة مستمرة، يخف الاحتقان ويبقى الوضع القائم على حاله، مستفيداً من انحسار موجة الغضب. صدق المشاعر لا يعوض غياب الخطة، وتكرار الصرخة ذاتها لن يوقف الدخان.

وحتى في معاركنا الوطنية الكبرى، أثبتت التجربة أننا لا ننتصر بالصراخ وحده، بل بالتنظيم؛ كما حدث في حراك مواجهة مشروع «قانون برافر» عام 2013، حين التفت القوى الشعبية والطلابية والحقوقية حول قضية الأرض وهدف محدد. وفي 12 كانون الأول من ذلك العام، أعلن بيني بيغن أن نتنياهو وافق على توصيته بوقف دفع مشروع القانون في الكنيست، ووصف مركز «عدالة» الإعلان يومها بأنه إنجاز للعمل الشعبي والقانوني والضغط الدولي. ومع أن تصريحات حكومية لاحقة أكدت التمسك بالمشروع، فإن التجربة أظهرت قدرة الحراك المنظم على التأثير في مساره، دون أن يعني ذلك انتهاء سياسات الاقتلاع والتضييق المستمرة. وهذا ما نحتاجه أيضاً لنحمي هواء حاراتنا وشوارعنا: قوة مجتمعية تؤثر في القرار وتتابع تنفيذه.

التنظيم المجتمعي ليس تنظيراً مجرداً، بل ممارسة تبدأ عند المسافة الفاصلة بين الوجع والقدرة على الفعل المشترك. ففي الحي المتضرر من حرق النفايات، يبدأ العمل حين تكسر الشكوى عزلتها، وتجتمع عائلات الحي وتكتشف أن الخوف مشترك، فيتحول الأثر الفردي إلى قضية عامة. ومن هنا ينتقل العمل إلى خطة واضحة وملموسة: توثيق آمن بالصور لموقع المكب الذي يشتعل كل ليلة، وإيداع شكاوى برقم تتبع رسمي لدى السلطة المحلية والوزارة المعنية، وصياغة مطالب محددة لكل جهة بحسب مسؤوليتها. وقد يكون المطلب، بحسب طبيعة الموقع، إغلاق مدخل المكب أمام إلقاء النفايات بكتل إسمنتية، وتركيب كاميرا مراقبة عند مدخله، ونشر جدول أسبوعي معلن لشاحنات الإخلاء. ويترافق ذلك مع مطالبة الجهات الحكومية بقرارات وميزانيات تتيح معالجة مستدامة، وبمتابعة رقابية تمنع تكرار الضرر؛ فلا يتوقف الضغط عند باب المجلس، بل يصل إلى المكاتب التي تقرر وتخصص الموارد.

حين يتحول الوجع إلى مطلب له اسم ومكان وموعد، يتلاشى الضياع، ويتحول الصوت المنفرد الذي يسهل تجاهله إلى حضور يفرض القضية على طاولة القرار، ويصبح الإنجاز الملموس دليلاً يعيد للناس ثقتهم بقدرتهم على فرض التغيير.

وهنا يجب أن نقطع الشك باليقين: العَونة رصيدنا الأخلاقي ورابطتنا الأصيلة، لكنها ليست إعفاء للدولة ووزاراتها ولا للسلطات المحلية من مسؤولياتها. فجمع النفايات ومعالجتها، وحماية الناس من الحرائق، يحتاج إلى عمل محلي منتظم، وإلى قرارات حكومية، وميزانيات، وبنى تحتية، ورقابة. مبادرة الأهالي لتنظيف مكان لا تُسقط مسؤولية المؤسسات عن معالجة أسباب تلوثه، وتطوع الشباب لإخماد حريق لا يعوض خدمات إطفاء مجهزة وقادرة على الوصول. ومساءلة المجلس أو البلدية لا تبرئ الدولة، كما أن مساءلة الدولة لا تعفي السلطة المحلية من دورها. غاية التنظيم المجتمعي ليست تحويل تعب الناس إلى غطاء لتقصير المؤسسات، بل بناء القوة القادرة على انتزاع الحقوق، والتأثير في القرارات والميزانيات، ومحاسبة كل جهة على مسؤوليتها.

«اصطفوا، استووا، وسدوا الخلل».

المطلوب اليوم أن نستعيد إحساسنا بالخلل الذي ألفناه، وأن نحدد وجعنا بدقة، ونبني حوله صفاً يملك أدوات التأثير ولا ينفض مع انفضاض الحشد. اصطفوا من أجل هواء أطفالنا، واصطفوا لانتزاع أمان بيوتنا، وسدوا الخلل حتى لا يصبح ما اضطررنا إلى احتماله هو كل ما نظن أننا نستحقه

vital_signs قد يهمك ايضا