اغلاق
شعار موقع وازكام

محمد عبد الرحمن: المدير العربي الذي يعيد رسم خريطة الخدمات الصحية في الشمال من خلال مئوحيدت ويقلّص الفجوات بمبادرات غير مسبوقة

, تم النشر 2026/08/07 0:38

يبرز في المشهد الصحي في البلاد، اسم محمد عبد الرحمن من قرية كابول في الجليل، كقصة نجاح مهنية وإنسانية تستحق التوقّف عندها. فالرجل الذي شق مسيرته بثبات داخل صندوق المرضى "مئوحيدت"، حتى أصبح مدير لواء الشمال، هو المدير العربي الوحيد في هذا المنصب الرفيع، على مستوى جميع صناديق المرضى.

هذا الإنجاز، لم يكن مجرّد ترقٍ وظيفي، بل ثمرة رؤية واضحة تبنّاها محمد عبد الرحمن ومئوحيدت معًا، تقوم على منح المجتمع العربي حضورًا مؤثرًا في صناعة القرار الصحي، وتقديم خدمات صحية مهنية، تحترم الخصوصية الثقافية والاجتماعية، مع إعطاء أولوية لتقليص الفجوات الصحية في المجتمع العربي، إلى جانب تطوير الخدمات لجميع شرائح المجتمع.

وقد ساهم هذا النهج في إحداث حراك حقيقي في قطاع الصحة، دفع صناديق المرضى الأخرى إلى تطوير خدماتها أيضًا. من خلال معادلة تقوم على العدالة والمساواة وجودة الخدمات، والإصرار على أن يكون للصوت العربي مكان مؤثر في صناعة القرار الصحي على مستوى البلاد عامّة.

"مجتمعنا يستحق خدمات صحية متقدّمة وملائمة لاحتياجاته"

منذ بداياته، حمل محمد قناعة راسخة بأن المجتمع العربي يستحق خدمات صحية متقدّمة ومتكيّفة مع احتياجاته الثقافية والاجتماعية. ومع توليه إدارة لواء الشمال، الذي يشكّل فيه المواطنون العرب نحو 60% من السكان، تحوّلت هذه القناعة إلى خطة عمل استراتيجية تتقاطع مع رؤية مئوحيدت نفسها، التي تبنّت نهجًا شاملًا لتقليص فجوات الصحة في المجتمع العربي وتطوير خدمات نوعية في عشرات البلدات.

يقول محمد: "هناك فجوات نتعامل معها في عملنا اليومي. مئوحيدت، كصندوق مرضى يتطوّر بشكل لافت في المجتمع العربي وعلى مستوى البلاد عامة، أخذنا على عاتقنا هذا الموضوع بشكل جدي جدًا ونتابعه منذ سنوات، ودائمًا نسعى للتجديد، بل ونفرض من خلال قراراتنا، واقعًا يحفّز الصناديق الأخرى أيضًا للارتقاء بخدماتها المقدّمة لجميع الفئات السكانية، العربية واليهودية وغيرها".

يلخّص هذا التصريح، جوهر الرؤية التي يقودها باقتدار: الاعتراف بالفجوات، والعمل على سدّها بخطوات عملية مدروسة وحكيمة، إلى جانب مواصلة الارتقاء بالخدمات الصحية على المستوى العام أيضًا، لصالح الجميع وفي كل مكان، مع الحرص على الريادة في القطاع الصحي.

تظهر أهمية هذا النهج عند النظر إلى معطيات وزارة الصحة، التي تكشف فجوات كبيرة بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي في مجالات أساسية. من الأمثلة على ذلك، أنّ نسبة التدخين بين الرجال العرب تتجاوز 50%، ونسب الكشف المبكّر للأمراض الخطيرة مثل السرطان منخفضة بشكل مقلق، كما أن الإقبال على الفحوصات الوقائية أقل من المعدّل العام، وتقليص هذه الفجوات، يحتاج إلى من يفهم هذا المجتمع واحتياجاته، ويعمل على تعزيز الوعي لديه وإتاحة الخدمات له.

ويضيف محمد: "هذه أمور يجب أن تضيء ضوءًا أحمر. الجهد المبذول في قطاع الصحة بشكل عام في البلاد غير كافٍ، ولذلك علينا أن نقوم بعمل مختلف ومميز".

خطة استراتيجية

من هنا بدأت مئوحيدت تنفيذ خطة استراتيجية واسعة، شملت ملاءمة ثقافية ولغوية للخدمات، وتوسيع البنية التحتية الطبية، وتعزيز الطب الوقائي، وإدخال خدمات رقمية متقدّمة. أصبحت اللغة العربية جزءًا أساسيًا من الخدمة في العيادات والمراكز الهاتفية والقنوات الرقمية، وتم تطوير مواد توعية صحية ملائمة ثقافيًا، وتشغيل مركز ترجمة فوري، وأمور كثيرة.

على مستوى البنية التحتية، شهدت البلدات العربية افتتاح مراكز طبية حديثة ومتطوّرة، مثل المركز الكبير في شفاعمرو بمساحة تتجاوز 1500 متر، والذي يضم عيادات أسنان متقدّمة، علاجًا طبيعيًا، تصوير أشعة، استشفاء يوميًا وغيرها من الخدمات الاختصاصية على أعلى المستويات. وفي عرابة، افتُتح مركز طبي متقدّم، بينما يجري العمل على افتتاح مركز جديد في طمرة، مجهّز لخدمات حديثة تلبّي احتياجات سكان المنطقة. هذا عدا عن افتتاح مراكز طب ليلية وغرف طوارئ تعمل حتى ساعات متأخّرة، وكل هذا هو جزء صغير من المشهد فقط.

يقول محمد في هذا السياق: "نحن لا نعمل من فراغ، وإنّما عملنا في مجال التطوير مدروس. افتتحنا مراكز جديدة ومتطوّرة، ونحاول في مئوحيدت أن نقدّم خدماتنا في كل مكان، حتى في البلدات والتجمّعات السكانية النائية، في النقب مثلاً".

إحدى الخطوات الاستراتيجية البارزة كانت تطوير خدمات طب الطوارئ في المناطق البعيدة عن المستشفيات، عبر إقامة مراكز متخصصة في مواقع مركزية مثل كرمئيل لخدمة بلدات الشاغور، ومراكز مشابهة في عدة بلدات عربية. هذه المراكز توفّر أطباء متخصصين في طب الطوارئ، طب العائلة، وطب الأطفال وغير ذلك، ما قلّص بشكل كبير زمن الوصول للعلاج، ورفع مستوى الأمان الصحي لدى السكان.

كما أولت مئوحيدت اهتمامًا خاصًا بصحة المرأة، من خلال تشغيل وحدة متنقّلة لصحة المرأة، والتي تصل إلى البلدات البعيدة لإجراء تصوير الثدي والألتراساوند. وحرصت في الوقت ذاته، على رفع عدد طبيبات النساء، والطبيبات عمومًا من مختلف التخصصات في المجتمع العربي، ما أدى إلى ارتفاع كبير في فحوصات الكشف المبكّر، وتشجيع النساء على إجراء فحوصات ذاتية عبر مجموعات خاصة.

وفي مجال الوقاية، قادت مئوحيدت برامج واسعة، من بينها مثلًا برامج رمضان التوعوية بالتعاون مع رؤساء السلطات المحلية ورجال الدين، وبرنامج "لننمو بصحة" الذي يرسّخ نمط حياة صحي لدى الأطفال والأهالي، إضافة إلى فعاليات أيام الصحة العالمية مثل مسيرات يوم السكري العالمي في سخنين والرينة، ومؤتمر السكري في أم الفحم. كما تم دمج أطباء من المجتمع العربي في مدارس السكري التابعة لمئوحيدت في الجليل ووادي عارة وحيفا، لتأهيلهم في علاج مرضى السكري وما قبل السكري.

ويشرح محمد أهمية هذه البرامج بقوله: "نحن نعمل مع مجموعات عديدة من المؤمّنين، ونحاول فهم المتطلبات الخاصة بالمجتمع العربي من المؤمنين ومن الأطباء. الخطط المحلية أهم من العناوين الكبيرة، وهي التي تصنع التأثير الحقيقي".

 

ولأول مرة، أصبح بإمكان سكان البلدات العربية البعيدة تلقّي علاجات خاصة مثل العلاج البيولوجي والهرموني في مراكز محلية في يركا، سخنين، صفد، معالوت، نهاريا، الناصرة، وعرعرة، دون الحاجة للوصول إلى المستشفيات البعيدة. ويقول محمد: "تقريب الخدمات من الناس ليس رفاهية، بل ضرورة. عندما تكون الخدمة قريبة، يرتفع الأمان الصحي، وترتفع نسب الكشف المبكّر".

"تحديات يجب مواجهتها"

رغم هذه الإنجازات، يدرك محمد أن الطريق ما زال طويلًا، وأن هناك تحديات يجب مواجهتها، مثل ضعف الوعي لأهمية التأمينات التكميلية، انخفاض الإقبال على فحوصات الكشف المبكر لدى النساء، الحواجز الثقافية حول الصحة النفسية، وانتشار أمراض مزمنة مرتبطة بالعادات الغذائية ونمط الحياة. كما يشير إلى تحدّيات المواصلات العامة في البلدات العربية وخاصة القرى البدوية منها، والبنى التحتية الصعبة لإقامة عيادات جديدة، والفجوات اللغوية التي تعيق التواصل مع الجهاز الصحي.

ويضيف محمد: "عندما ننظر إلى المجتمع العربي، فنحن لا نتعامل معه وفق مصلحتنا، بل ننظر إلى الأمر بصورة أوسع بحيث نتقدّم ونتطور ويستفيد المجتمع من ذلك. التغيير يحصل بالفعل ونشعر به، ونحن اليوم في مستوى آخر. هناك خدمات لم تكن صناديق المرضى تقدّمها في بعض المناطق. خطوتنا الريادية لتقديم خدمات لم تكن موجودة، جعلت الآخرين يسيرون على خطانا أيضًا ويحاولون منافستنا. هذا يجعلنا نشعر برضا كبير، لكننا لن نتوقّف هنا".

الأطباء العرب الجدد وطلاب الطب

تتجاوز اهتمامات مئوحيدت، تقديم الخدمات الصحية والطبية للمجتمع العربي، إلى الاهتمام أيضًا بالأطباء العرب الجدد وطلاب الطب، والتمريض، والعلاج الوظيفي، وعلاج السمع النطق، والصيادلة وغير ذلك من التخصصات.

ويلفت محمد عبد الرحمن، إلى أنّ لواء الشمال في مئوحيدت، قاد بالتعاون مع المنتدى لتعزيز الصحة في المجتمع العربي، في العام الأخيرة، جزءًا مهمًا من برنامج "ماتسبين"، وهو برنامج تأهيل لطلاب الطب من المجتمع العربي، خريجي الجامعات في الخارج، قبل بدء فترة التدريب (الستاج)".

ويهدف البرنامج إلى تعزيز ثقة الأطباء الجدد بأنفسهم، وتحسين اندماجهم المهني في جهاز الصحة، وتأهيلهم للتأثير مستقبلًا في تعزيز صحة المجتمع العربي. يضاف إلى ذلك، اتفاقيات مع مختلف الجامعات في البلاد، ومع التخنيون ومعهد فايسمان ومعاهد عليا أخرى، فيما يتدرّب الكثير من الأطباء العرب الجدد في عيادات مئوحيدت.

"تواجد أبناء المجتمع العربي في مناصب مؤثرة مهم"

يؤكد محمد عبد الرحمن، على أهمية الدور القيادي لأبناء المجتمع العربي داخل جهاز الصحة بقوله: "أنا أقول كابن لهذا المجتمع وليس كمدير، بأننا يجب أن نطالب بالتطوير، وأن تكون المطالبة من خلال السلطات المحلية والأطباء ومختلف الجهات. المهم أن يكون أبناء المجتمع العربي في مناصب مؤثّرة، لأنهم يعرفون المجتمع ويستطيعون قيادته نحو واقع صحي أفضل".

بالإضافة إلى الأطباء والصيادلة والممرضين وغيرهم من المختصين، مئوحيدت حريصة على إعطاء فرص متساوية في مختلف المجالات بما في ذلك، في المناصب الإدارية العليا. محمد هو واحد من أربعة مديري المناطق في مئوحيدت. بدأ كممرض، ثم مدير عيادة، وكان بوظائف أخرى، منها مدير خدمات الاستشفاء المنزلي في الشمال، ومدير تشغيلي ومدير شؤون المؤمّنين، واليوم مدير منطقة".

محمد ليس العربي الوحيد في المناصب الرفيعة في مئوحيدت، إذ يشغل عدد من أبناء المجتمع العربي مناصب مهمّة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الطبيب اللوائي زياد ظاهر، والممرضة الرئيسية اللوائية في الشمال سوار متّى قسيس وغيرهما. وترى مئوحيدت أنّ الدمج الحقيقي المطلوب يجب أن يشمل جميع فئات المجتمع في البلاد. وأدّى هذا المزيج، لأن يكون لواء الشمال بقيادة محمد عبد الرحمن رائعًا. وكان في العام الماضي اللواء المتميّز في مئوحيدت.

هذه الرؤية ليست مجرد كلمات، بل استراتيجية مؤسسية تتبناها مئوحيدت، التي ترى أن وجود قيادات عربية في مواقع مؤثرة هو جزء أساسي من تقليص الفجوات وتحسين الخدمات. ويشير محمد إلى ذلك بقوله: "الرؤية الاستراتيجية كمؤسسة ترى أن من المهم أن يكون أبناء المجتمع العربي في مناصب رفيعة، وأن يكون هناك من يتحدث لغة هذا المجتمع، بمعنى من يفهمه ويدرك احتياجاته، وأن يكون المرآة المؤثرة التي تقود إلى التغيير".

بهذه الرؤية، وبالخطوات العملية التي تُنفّذ على الأرض، يواصل محمد عبد الرحمن قيادة لواء الشمال في مئوحيدت نحو مستقبل صحي أكثر عدالة، وأكثر تطورًا، وأكثر قربًا من الناس. شخص ترعرع في مجتمعه، وحرص على خدمته بعد بلوغه موقعًا مؤثرًا، ويقود تغييرًا حقيقيًا في جهاز الصحة، يلمسه اليوم مئات الآلاف من المواطنين العرب في أنحاء البلاد، وكل ذلك بدعم كامل من المؤسسة التي يعمل بها، لخطته وطموحاته.

vital_signs قد يهمك ايضا