اغلاق
شعار موقع وازكام

بين مساومات الداخل وحسابات أكتوبر: قراءة في شيزوفرينيا المشهد الاستراتيجي الإسرائيلي

, تم النشر 2026/08/27 15:34

حين نتأمل المشهد الإسرائيلي الراهن، فإننا لا ننظر إلى أحداث معزولة عن سياق التاريخ، أو مقتطعة من جغرافيا الصراع البنيوي العنيف الذي يضرب عصب الدولة العبرية. إن المقطع المرئي الصغير الذي بثه "فرع الحريديم" في الجيش الإسرائيلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وسارع المتحدث العسكري إلى حذفه تحت وطأة الغضب، ليس مجرد سقطة إدارية عابرة أو زلة إعلامية أنتجها الذكاء الاصطناعي؛ بل هو عينة مخبرية دقيقة تفضح عمق الشروخ والمسارات الخلفية التي تدار بها أزمة الدولة وجيشها المستنزف.

 

هذا الفيديو، الذي قدم إرشادات صريحة للشبان الحريديم الفارين من التجنيد حول كيفية الالتفاف على أوامر الاعتقال في مطار بن غوريون لتسهيل سفرهم للخارج، يمثل ما يمكن تسميته في العلوم السياسية بـ"التواطؤ البنيوي الاضطراري". إنها ثقافة المساومة والحلول المؤقتة التي عششت في أروقة المؤسسة العسكرية؛ حيث تجد مديريات بعينها نفسها واقعة تحت مطرقة الضغوط السياسية المباشرة للحكومة، فتضطر لابتكار مخارج غير قانونية للمتهربين، حفاظاً على تماسك الائتلاف الحاكم الذي ترهنه الأحزاب الدينية بمصالحها الخاصة، وضماناً لعدم انفجار الشارع الحريدي في مواجهة شاملة مع أجهزة إنفاذ القانون.

والمفارقة الاستراتيجية الصارخة هنا، والتي تتبدى لمن يقرأ وثائق ووقائع الأيام الأخيرة، هي أن هذه المحاباة البيروقراطية لتسهيل هروب القوى البشرية تجري في ذات الوقت الذي تصدر فيه صرخات التحذير المدوية من أعلى الهرم العسكري. إن الشكوى المكتوبة التي رفعها مدير عام وزارة الدفاع اللواء إيال زامير، مؤكداً فيها أن الجيش يواجه عجزاً مالياً وبشرياً حاداً وغير قابل للمواصلة، تمثل الوجه الآخر والأكثر قتامة للعملة. كيف لجيش يئن تحت وطأة الاستنزاف الميداني اللوجستي، ويعتمد كلياً على تمديد فترات الخدمة الطويلة لجنود الاحتياط والنظامي، أن تسمح أجهزته الداخلية بتعليم المتهربين سبل الإفلات؟ هذا التناقض يكشف أن المنظومة من الداخل تعيش حالة انفصام بنيوي غير قابلة للاستمرار.

ولكن، دعنا نذهب إلى ما هو أبعد من حدود الغضب الشعبي الداخلي، لنربط الخيوط ببعضها في لوحة الشطرنج السياسية والإقليمية الكبرى؛ فنحن نتحرك بخطى حثيثة نحو ساعة الصفر السياسية المتمثلة في الانتخابات العامة الوشيكة المقررة في أكتوبر 2026. وهنا يكمن المحرك الأساسي لحركة الأحداث؛ فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعلم، بيقين رجل يصارع من أجل بقائه السياسي والشخصي، أن فرصه في الفوز تستدعي بالضرورة تحقيق "صورة نصر عسكري حاسم" لم تمنحها له الجبهات الراهنة حتى الآن.

من هذا المنطلق، تكتسب تحذيرات أقطاب المعارضة، وفي مقدمتهم أفيغدور ليبرمان ورئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان، مصداقية واقعية كبيرة؛ إذ يتهمون نتنياهو علناً بالسعي الدؤوب لتوسيع خارطة الصراع العسكري وفتح جبهات جديدة، ليس فقط للهروب من استحقاق قانون التجنيد الذي يهدد ائتلافه، بل لتحويل المعركة الانتخابية برمتها إلى استفتاء قومي تحت النيران؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة الشاملة.

ومع ذلك، فإن العقل الاستراتيجي يفرض علينا دائماً قراءة الاحتمال الموازي، وهو الاحتمال الأكثر تعقيداً في حسابات الأمن والاستخبارات: هل نحن أمام عجز حقيقي يفضح نفسه، أم أننا بصدد عملية "خداع استراتيجي" كبرى مدروسة بعناية؟
في علم الحروب والتضليل، يمثل تعمد إظهار الهشاشة الداخلية ورفع الشكوى من نقص الرجال والمال "طعماً" استراتيجياً مصمماً بعناية لتضليل الخصوم الإقليميين. إن تصدير صورة الجيش الممزق بين التواطؤ مع الحريديم وعجز الموازنة، قد يكون الهدف منه استدراج أطراف في المحور الإقليمي المقابل لارتكاب تقديرات خاطئة، أو شن ضربات متهورة ظناً منهم أن اللحظة مواتية لكسر إسرائيل وهي في أضعف حالاتها. وفي اللحظة التي يبتلع فيها الخصم الطعم، تتوافر لنتنياهو وجيشه "الذريعة الذهبية" والشرعية الدولية المطلقة لشن الهجوم التدميري الأوسع الذي يبحث عنه، والخروج بعباءة المدافع النقي عن أمن الدولة، مما يقلب الطاولة على الخصوم في الخارج والداخل معاً بضربة واحدة.

إننا في المحصلة الأخيرة، أمام مشهد تتداخل فيه حسابات البقاء الشخصي مع خطط الخداع الاستراتيجي وعجز البنية العسكرية والأخلاقية. والأيام القليلة القادمة، مع حركة صناديق الاقتراع وحركة الجبهات، ستكشف ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحمل ثمن هذه اللعبة المركبة، أم أن الحفرة التي فُتحت في جدار الجيش أعمق بكثير من قدرة المناورات السياسية والاستخباراتية على طمرها

vital_signs قد يهمك ايضا