اغلاق
شعار موقع وازكام

صحة متساوية على الورق فقط: كيف تحول المجتمع العربي إلى الممول الأكبر للمنظومة الصحية في المركز؟

, تم النشر 2026/07/08 13:33

في كل مرة يصدر فيها تقرير رسمي حول القوى العاملة في جهاز الصحة الإسرائيلي، يحظى المجتمع العربي بإشادة واسعة. الأرقام الجافة الصادرة عن وزارة الصحة تروي قصة "العمود الفقري" للطب العام: ما يقارب 27% من الأطباء الناشطين، 24% من الطواقم التمريضية، وأكثر من 50% من الصيادلة في البلاد هم من أبناء المجتمع العربي. والمعطى الأكثر إثارة للإعجاب، والذي يظهر في تقرير "القوى العاملة في المهن الصحية" الصادر عن وزارة الصحة، يكشف أن نحو 45% من الحاصلين على رخص ممارسة الطب الجديدة في السنوات الأخيرة هم من أبناء المجتمع العربي. إن المواطنين العرب يحرسون صحة الدولة ليل نهار، في غرف الطوارئ وأقسام العناية المكثفة من الشمال إلى الجنوب.


ولكن، بمجرد أن ينهي هؤلاء الأطباء والممرضون والصيادلة مناوباتهم ويعودون إلى منازلهم في البلدات العربية، يصطدمون بواقع كارثي، قاسٍ ومهمش. هناك، بعيدًا عن أضواء المركز، يتجلى التناقض الأكبر: يدفع المواطنون العرب للمنظومة الصحية مبالغ طائلة، لكنهم يعملون في الواقع كممولين أساسيين للخدمات الطبية المتقدمة في منطقة المركز.

 

مفارقة التمويل: ندفع 100% ونحصل على الفتات
القانون في دولة إسرائيل متساوٍ تمامًا في كل ما يتعلق بالجباية. ضريبة الصحة الإلزامية تُقتطع قانونًا من كل قسيمة راتب (بين 3.1% إلى 5%) عبر مؤسسة التأمين الوطني وسلطة الضرائب. تتدفق هذه الأموال إلى صناديق المرضى بناءً على معادلة حكومية سنوية تُعرف بـ "معادلة الكابيتاسيون" (ميزانية تُدفع للصندوق مقابل كل "رأس"). وبما أن المجتمع العربي يواجه نسبًا أعلى بكثير من الأمراض المزمنة، فإن صناديق المرضى تتلقى من الدولة ميزانيات ضخمة ومضاعفة مقابل هؤلاء المؤمنين.


ومع ذلك، فإن تقرير مراقب الدولة حول منظومة الطب العام في الضواحي (البريفيريا) كشف عن عمق التشوه: تنفق صناديق المرضى فعليًا على صحة المقيم في لواء المركز وتل أبيب نحو 5,200 شيكل سنويًا، بينما يبلغ الإنفاق الجاري على المقيم في لواء الشمال أو الجنوب نحو 3,900 شيكل فقط. فجوة صارخة تصل إلى نحو 30% في ميزانيات الأساس السنوية. تتدفق المليارات إلى الصناديق، لكنها تختار استثمارها في بناء مراكز تخصصية، وعيادات الأخصائيين الفاخرة، والمعاهد المتقدمة في المدن اليهودية القوية في المركز، تحت ذريعة "المنافسة على كسب المريض".


وتزداد هذه المصيدة الاقتصادية سوءًا في التأمينات المكملة (الشبان). فوفقًا لمعطيات مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، تبلغ نسبة ملكية التأمين المكمل في المجتمع العربي نحو 40% فقط (مقارنة بأكثر من 80% في المجتمع اليهودي). ولكن حتى تلك العائلات العربية التي تدفع مئات الشواكل شهريًا مقابل "كلاليت موشلام" أو "مكابي زاهاب"، تجد نفسها تمول خدمات غير موجودة ماديًا في بلداتها. لا توجد عيادات لبروفسورات ضمن الاتفاقيات في أم الفحم أو رهط، ولا توجد جراحات خاصة في البلدات العربية. الأموال التي تُسحب من المجتمع العربي تمول بطريقة غير مباشرة الطب الخاص في مستشفيات المركز (مثل أسوتا)، بينما تظل البنية التحتية داخل بلداتنا شحيحة وبدائية.

الجغرافيا تحدد المصائر: صفر مستشفيات حكومية
حتى في خارطة البنية التحتية للمستشفيات، تركت الدولة المجتمع العربي خلفها. لم تقم دولة إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اليوم ببناء مستشفى حكومي واحد في أي بلدة عربية. المستشفيات الثلاثة في الناصرة (الإنجليزي، الإيطالي، والفرنسي) أُسست في القرن التاسع عشر وخلال العهد العثماني من قبل منظمات خيرية وإرساليات أوروبية. استلمت الدولة بنية تحتية جاهزة، وصنفتها كـ "مستشفيات عامة مستقلة"، وحكمت عليها بميزانيات تطوير شحيحة وتمييز مزمن، مما يضطرها لرفع الصوت عاليًا كل عام من أجل تمويل أجهزة تصوير أساسية.


وتترجم نتائج غياب البنية التحتية داخل البلدات إلى كارثة يومية من الطوابير الطويلة والبيروقراطية الخانقة. وتظهر معطيات وزارة الصحة حول مؤشرات الانتظار في العيادات أنه في حين يتراوح وقت الانتظار لطبيب أخصائي (جلد، نساء، أطفال) في مركز البلاد بين 7 إلى 14 يومًا، فإن المعدل في البلدات العربية والضواحي يصل إلى 45 وحتى 90 يومًا – أي من 3 إلى 6 أضعاف وقت الانتظار.


وهنا يتجلى التناقض الأكثر إثارة للاستياء: في الوقت الذي تعتمد فيه المنظومة بأكملها على آلاف الأطباء الشباب من المجتمع العربي، فإنها تخنق استيعابهم الفعلي – حيث يضطر العديد من الأطباء العرب المتفوقين الذين أنهوا دراستهم للانتظار أشهرًا طويلة بل وسنوات فقط للحصول على مكان عمل متخصص شاغر في المنظومة العامة المنهكة ميزانياتها.


ومن أجل توفير التكاليف، تفرض صناديق المرضى في الضواحي آلية صارمة من "الإدارة الطبية المقيدة". تمر سلسلة الموافقات المطلوبة للحصول على نموذج 17 للفحوصات الغالية (مثل الـ MRI) أو للعلاجات في المراكز الكبرى بعيدة المدى، عبر أطباء اللواء ولجان الموافقة. حواجز اللغة، وغياب النفاذ الرقمي لدى الفئات المسنة، والشعور بالعجز أمام البيروقراطية، تدفع العديد من المرضى للتنازل ببساطة عن حقوقهم – لتسجل الصناديق لنفسها أرباحًا تشغيلية إضافية.

ثمن التمييز: 4 سنوات أقل من الحياة
عندما نقشر الشعارات السياسية الطنانة حول الخطط الخمسية (مثل القرار 550)، نكتشف أنها استخدمت أساسًا كغطاء بيروقراطي. ألقت الدولة بمسؤولية عدم استغلال الميزانيات على السلطات المحلية من خلال اشتراط المشاركة الذاتية التي لا تستطيع المجالس في المناطق الاقتصادية والاجتماعية المنخفضة توفيرها، ونفضت يديها من المسؤولية.


إن ثمن هذا التمييز الهيكلي في التمويل، وغياب التشخيص المبكر، وإهمال الطب الوقائي، لا يُقاس بالمال بل بحياة البشر. تعرض معطيات دائرة الإحصاء المركزية صورة مرعبة: متوسط العمر المتوقع للرجال العرب أقل بـ 4 سنوات كاملة من الرجال اليهود، ولدى النساء تقف الفجوة عند نحو 3.5 سنوات.


ووفقًا للمركز الوطني لمراقبة الأمراض (ICDC)، فإن معدلات الوفيات الناجمة عن السكري وأمراض القلب في المجتمع العربي أعلى بنحو 70% مقارنة بالمجتمع اليهودي – وهو دليل مباشر على غياب الطب الاستشاري المتاح في العيادات المحلية والذي كان بإمكانه منع تدهور الأمراض. وفي الوقت نفسه، تكشف معطيات قسم طب الشيخوخة في وزارة الصحة أنه من بين جميع أسرة التمريض والشيخوخة الممولة في الدولة، تقع أقل من 3% منها في البلدات العربية. المنظومة ببساطة "تتخلى" عن المسن العربي، مفترضة بشكل انتهازي أن "العائلة ستعتني به في المنزل"، لتكسب بذلك توفير أيام علاج باهظة الثمن على حساب تقصير عمر الجيل المتقدم.


لا يمكن للمنظومة الصحية في إسرائيل أن تستمر في الإمساك بالعصا من المنتصف: الاستمتاع بقوى عاملة عربية ماهرة تنقذ الأرواح في المستشفيات العامة، جباية ضرائب كاملة من الجمهور العربي، وفي نفس الوقت تجفيف البنى التحتية الطبية داخل البلدات العربية. المعطيات الرسمية لدولة إسرائيل لم تعد تسمح بالتهرب من المسؤولية أو الاختباء وراء "المشاعر". لقد حان الوقت لوقف التمييز الهيكلي وإعادة ميزانيات الصحة الخاصة بالمجتمع العربي – إلى المجتمع العربي.


قائمة المصادر والمراجع للمقال:
 1. تقرير "القوى العاملة في المهن الصحية"، قسم ترخيص المهن الطبية، وزارة الصحة.
 2. تقرير مراقب الدولة حول منظومة الطب العام والخدمات في الضواحي الجغرافية.
 3. الكتاب الإحصائي السنوي لإسرائيل، دائرة الإحصاء المركزية.
 4. معطيات الأمراض المزمنة والوفيات، المركز الوطني لمراقبة الأمراض (ICDC)، وزارة الصحة.
 5. تقرير "أسرة الاستشفاء ومواقف الترخيص"، قسم طب الشيخوخة وقسم الترخيص، وزارة الصحة.
 6. تحليل التأمين المكمل والخطط الخمسية، مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست.
 7. تقارير المتابعة الميزانيات، نقابة الأطباء في إسرائيل.

vital_signs قد يهمك ايضا