اغلاق
شعار موقع وازكام

أوهام المخصصات: الأرقام الحقيقية وراء الفجوة الاقتصادية في المجتمع العربي

, تم النشر 2026/07/06 14:27

في كل مرة تنشر فيها دائرة الإحصاء المركزية معطيات جديدة حول الفقر أو الأجور في البلاد، تبدأ الماكنة الإعلامية والسياسية المعتادة بالعمل: يخرج المحللون الاقتصاديون بالرسوم البيانية، ويتحدث السياسيون عن "ضرورة دمج العرب في سوق العمل"، وفوق كل هذا يطفو على السطح الادعاء المستهلك والمشروخ – "ولكن المجتمع العربي يتلقى مخصصات أكثر من التأمين الوطني". هذه الأرقام الجافة قد تكون صحيحة على الورق، لكنها تروي كذبة كبرى؛ إنها تعرض صورة مشوهة ومقلوبة للمقاييس، وتخفي آليات العمق والتمييز البنيوي التي تكرّس الفجوة الاقتصادية بين العائلة العربية والعائلة اليهودية.


لقد حان الوقت لترتيب الأمور، والتوقف عن النظر إلى "فتات" المخصصات، والنظر بدلاً من ذلك إلى المحركات الحقيقية للثروة والميزانيات الضخمة التي توزعها الدولة – ومن الذي يبقى خارج اللعبة.

مصيدة الفتات مقابل خسارة الامتيازات الضريبية
تظهر البيانات الرسمية أن متوسط الدخل الشهري الإجمالي (بروتو) للعائلة العربية يتراوح بين 
13,000 إلى 14,000 شيكل، مقارنة بنحو 23,000 شيكل في المجتمع اليهودي. والأخطر من ذلك، هو أن ثلث المستقلين والأجراء العرب (33.9%) يتقاضون الحد الأدنى للأجور أو أقل منه.
نعم، قد تتلقى العائلة العربية في المتوسط مخصصات أطفال أو مكمل دخل أعلى بسبب العوامل الديموغرافية ونسب الفقر المرتفعة. لكن مخصصات الرفاه هذه هي مجرد شبكة أمان للبقاء على قيد الحياة؛ إنها تمنع الجوع والانهيار التام، لكنها لا تصنع نموًا اقتصاديًا ولا تبني ثروة عائلية.
إن الأموال الكبيرة والدعم الحقيقي لا يوزعان في مكاتب التأمين الوطني، بل من خلال آليات "شفافة" تتمثل في الامتيازات الضريبية والدعم الحكومي غير المباشر. عندما تمنح الدولة نقاط استحقاق ضريبية وتخفيضات هائلة في ضريبة الدخل – فإنها تكافئ أصحاب الأجور المرتفعة. العائلة العربية التي تتقاضى أجورًا منخفضة لا تصل أصلاً إلى سقف دفع الضرائب، وبالتالي فإن كل هذه الامتيازات والتخفيضات الضريبية التي تعادل آلاف الشواكل شهريًا – والتي يستغلها المجتمع اليهودي بالكامل – تظل بعيدة تمامًا عن متناول يد العائلة العربية.

بلدات للنوم بلا شوارع مقابل إمبراطوريات "الأرنونا" التجارية
لا تبدأ الفجوة وتنتهي عند قسيمة الراتب (التلوش)، بل تنتظرنا خارج عتبة البيت – في الشوارع المحفرة، غياب الأرصفة، وطرقات الوصول المتهالكة التي تهدد سلامة وحياة الناس وهم في طريقهم إلى منازلهم. إن جودة حياة المواطن وأمنه الشخصي يعتمدان مباشرة على الحصانة الاقتصادية للسلطة المحلية التي يتبع لها.
غالبًا ما يتم تغذية الجمهور الإسرائيلي العام بخرافة تقول إن "العرب لا يدفعون ضريبة المسقفات (الآرنونا)". لكن الواقع الرقمي لدائرة الإحصاء المركزية وتقارير الأبحاث المهنية تفند هذا الادعاء تمامًا: إذ تبلغ نسبة جباية الآرنونا السكنية في السلطات المحلية العربية نحو 74% (مقارنة بنحو 92% في السلطات اليهودية)، وهو فارق بسيط لا يمكنه تفسير الفقر المدقع لهذه السلطات.
السبب الحقيقي والأساسي لهذا الانهيار هو "الآرنونا التجارية" (التي تُجبى من المصالح، المصانع، والمكاتب)، والتي تشكل حوالي 55% من إجمالي مداخيل الآرنونا في البلاد. وبينما يعيش في البلدات العربية نحو 15% من سكان الدولة، فإن 2.2% فقط من إجمالي مداخيل الآرنونا التجارية في البلاد تذهب إلى السلطات العربية. وبحسبة بسيطة، تتلقى السلطة المحلية العربية في المتوسط أقل من سدس الآرنونا التجارية مقارنة بالسلطة اليهودية: 240 شيكل فقط للفرد الواحد في البلدات العربية، مقابل 1,560 شيكل للفرد في البلدات اليهودية. بدون مناطق صناعية وتجارية مدرّة للأموال، تحولت البلدات العربية إلى "قرى وبلدات للنوم" تفتقر إلى الميزانيات الأساسية لشق رصيف، أو بناء محطة باص، أو تعبيد شارع آمن.
وفي المقابل تمامًا، تضخ الدولة مليارات الشواكل وراء الخط الأخضر. إذ تُصنف العديد من المستوطنات في الضفة الغربية كـ "مناطق ذات أولوية قومية أ"، مما يمنح سكانها دعمًا هائلاً للأراضي، ومنح تطوير فريدة، وبنى تحتية وشبكات طرق التافية ومستقبلية بمليارات الشواكل – وهي امتيازات إقليمية تخفض تكاليف المعيشة وتضاعف قيمة العقارات لأقوام وفئات محددة جدًا.

حواجز التشغيل و"الأوتوستراد" الاقتصادي لميزانية الأمن
تصل الفجوة الاقتصادية الممنهجة إلى ذروتها في سوق العمل. إن قطاعات واسعة من الصناعات الأكثر ربحية وإنتاجية في البلاد – مثل الشركات الحكومية، الصناعات العسكرية، قطاعات الطاقة، والأنوية الصلبة للهايتك والسايبر – تظل مغلقة ومحجوبة أمام الأكاديمي أو الشاب العربي بسبب متطلبات التصنيف الأمني أو الخلفية العسكرية المحددة.
وفي الوقت الذي يظل فيه المواطن العربي خارج هذه القطاعات، تفتح الدولة "أوتوسترادًا" اقتصاديًا هائلاً للمجتمع اليهودي عبر ميزانية الأمن، والتي يذهب جزء ضخم منها لتمويل رواتب التقاعد (اليبنسيا). وفقًا لمعطيات وزارة المالية، تدفع دولة إسرائيل حوالي 20 مليار شيكل سنويًا فقط لتمويل معاشات التقاعد والامتيازات المرافقة لمتقاعدي المنظومة الأمنية والعسكرية.
وبينما يتراوح سن التقاعد العادي في المرافق العامة والاقتصادية بين 62 و 67 عامًا، فإن متوسط سن التقاعد في المنظومة الأمنية يبلغ 43 إلى 45 عامًا فقط، بمتوسط معاش تقاعدي يتراوح بين 15,000 إلى 16,000 شيكل شهريًا. هؤلاء المتقاعدون يدخلون سوق العمل المدني وهم في ذروة عطائهم وقدراتهم المهنية، مستندين إلى ظهر اقتصادي مؤمن ومدعوم مدى الحياة، ليتولوا فورًا مناصب إدارية رفيعة في القطاع العام، الشركات الكبرى والسلطات المحلية. نحن نتحدث هنا عن آلية ضخمة لإنتاج الثروة والنفوذ بمليارات الشواكل، ليس للمجتمع العربي فيها أي ناقة ولا جمل.

حان الوقت لتغيير المعادلة
إن القصة الاقتصادية للمواطنين العرب في البلاد ليست قصة "عدم رغبة في العمل" أو مجتمع "يعيش عالة على المخصصات". إنها قصة آلية عمق مبنية وممنهجة، توجه الموارد الكبرى للدولة – من أراضٍ، امتيازات ضريبية، آرنونا تجارية، وظائف رفيعة، ومعاشات تقاعدية حكومية – باتجاه واحد فقط.
المخصصات التي تتلقاها العائلة العربية هي مجرد إسعاف أولي للمصاب، وليست خطة شفاء أو إنقاذ. إذا كانت الدولة صادقة وجادة في تقليص الفجوات وبناء اقتصاد مستقر ومتنامٍ، فعليها أن تتوقف عن التباهي بشبكات الأمان الهشة للتأمين الوطني، وأن تبدأ بفتح المحركات الحقيقية للثروة: التوزيع العادل للمناطق الصناعية، تصحيح تشوهات الآرنونا التجارية، وإزالة الحواجز البنيوية أمام دخول الوظائف والقطاعات النوعية. كل ما عدا ذلك هو مجرد ذر للرماد في العيون.

vital_signs قد يهمك ايضا