اغلاق
شعار موقع وازكام

"البيت

, تم النشر 2026/05/31 10:38

*البيت تفكك لشظايا وإنتحرنا على مذبح "شوفوني يا ناس" وقدمنا أبنائنا قربانا على مذبح الأنا!!

راصد حر

تبدأ حكاية مجتمعنا من بيت جدتي. كانت جدتي تحمل في يديها آثار الأرض، وكانت شريكة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى. كانت هي وجدي وحدة واحدة، يتقاسمان شظف العيش، ويتحملان أعباء الحياة معاً. كان البيت بالنسبة لنا قلعة وملاذاً، وكان الاحترام والترابط هو المقياس الحقيقي للنجاح، لا المظاهر ولا القشور. ثم جاء جيل أمي، حيث بدأ هذا الواقع يتصدع؛ فالضغوط الاقتصادية أجبرتها على الخروج للعمل، ليس من باب الطموح، بل من باب البقاء. ومع الوقت، بدأت الحضور الأسري، الذي كان صمام أماننا، يضعف. واليوم، في بيوتنا، نعيش ذروة هذا التغيير؛ فخروج المرأة للعمل، مدعوماً بقوانين صُممت لتعزيز "استقلاليتها"، تحول أحياناً إلى أداة لخلخلة التوازن الأسري. حين يضاف إلى ذلك هوس المظاهر (الـ "شوفوني") والمنافسة الاجتماعية، نجد أنفسنا في سباق لا ينتهي، حيث تحول البيت من شراكة دافئة إلى ساحة للتوتر والتباعد.

إن العبث الأكبر الذي نعيشه هو أننا نخرج للعمل ليل نهار لنؤمن لأطفالنا "حياة أفضل"، وفي هذا المسعى، نخسرهم لصالح الشارع. نحن نكدح لنشتري لهم كل شيء – هواتف، سيارات، ورفاهية لا صلة لها بالواقع – ونظن أن هذا هو الحب. لكن الحقيقة المرة هي أننا نخلق جيلاً يشعر بالملل من الحياة قبل أن يبدأها. عندما لا يتعلم الطفل كلمة "لا"، وعندما يحصل على كل شيء دون أدنى جهد، فإنه يبحث عن "الأدرينالين" في الأماكن الأكثر خطورة. نحن نشتري لهم كل ما يريدون، وبذلك، دون أن نقصد، نشتري لهم تذاكر دخول لعالم الجريمة.

لقد فقدنا قيم الأسرة لأننا فقدنا التناغم داخل جدراننا. أصبح البيت حلبة صراع بين الأنا والأنا. الطفل لا يرى أمام عينيه قدوة أو أباً وأماً يعملان بتناغم؛ بل يرى والدين منهكين يتجادلان أمام عينيه، ولا يتنازل أحد للآخر. حين تغيب السلطة الأبوية، وحين يتنازع الوالدان، يفقد الطفل بوصلته. فيبحث عن هذه السلطة في الخارج، عند عصابات الجريمة التي تعرف تماماً كيف تستقطب هذا الطفل وتملأ الفراغ الذي تركناه. نحن نعيش حياتنا المنهكة والمزيفة، بينما أبناؤنا يبحثون عن ذواتهم خارج البيت، في أماكن لا قيمة فيها إلا للقوة.

ولا يمكننا أن نتجاهل الحقيقة: ما يحدث ليس صدفة، بل هو نتيجة لهندسة اجتماعية ممنهجة سعت لتفكيكنا قطعة قطعة. لقد بدأ الأمر بتفكيك "الحمولة" التي كانت صمام أماننا، ثم استمر بتفكيك الأسرة عبر ضغوط اقتصادية وقانونية، لينتهي الأمر بتفكيك الفرد ذاته. لقد تركونا مع "شظايا" حياة جميلة ظاهرياً – بيوت فاخرة، سيارات فارهة، ملابس غالية – ولكن داخل هذه البيوت، لا يوجد دفء، ولا توجد سلطة، ولا توجد أسرة. لقد حولونا إلى مستهلكين منهكين، بينما القلعة الحقيقية الوحيدة التي كانت تحمينا قد أفرغت من محتواها. بقيت لنا "الحياة الجيدة" كما يصورونها، لكننا فقدنا الحياة نفسها.

vital_signs قد يهمك ايضا