اغلاق
شعار موقع وازكام

من أين وكيف بدأت المصيبة!! عندما لا يصبح سبب لتستيقظ باكرا للعمل..قصة إياد قصة مجتمع

, تم النشر 2026/05/29 9:47

من أين أتت المصيبة!؟ ماهي جذورها: عندما لا يتبقى سبب واحد للنهوض صباحاً

وازكام-حر

دعونا من التقارير المنمقة والممسوحة التي تصدرها وزارة العمل والتأمينات الاجتماعية، فهم لا يفقهون شيئاً عما يحدث في الأزقة. إذا كنتم تريدون رؤية الحقيقة العارية والدامية، انظروا إلى إياد، المولود عام 2002. هو ليس غبياً، وليس كسولاً، ولا يبحث عن "تحقيق ذاته". إنه ببساطة عالق في مصيدة محكمة لا خروج منها، وعيناه مطفأتان تماماً وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره.

إياد هو نتاج جريمة تاريخية ارتكبتها الدولة والمسؤولون. في الثمانينات والتسعينات، وزعت الدولة مخصصات بطالة وضمان دخل بغباء وبمبالغ جعلت من العمل "نكتة" سمجة. والده، كحال آلاف الآباء في ذلك الوقت، قام بالحسبة البسيطة: لماذا يذهب ليقصم ظهره في ورش البناء والمصانع مقابل قروش شحيحة، بينما تدفع له الدولة ضعف ذلك تقريباً ليبقى في المنزل؟ نشأ إياد في بيت غابت عنه كلمة "شغل". رأى أباً لا يخرج في الصباح، لا يعرق، ولا يحارب. تعلم هذا الجيل الدرس الأسوأ على الإطلاق: المال يأتي من الهواء دون عناء.

وفجأة، في بداية سنوات الألفين، استيقظت الدولة وقطعت تلك المخصصات بالبلطة. غرق بيت إياد في الفقر، لكن العقلية كانت قد حُفرت في اللحم والعظام. والآباء، الذين نهشهم الشعور بالذنب أمام ثلاجاتهم الفارغة، ارتكبوا الخطيئة التالية: بدأوا بحماية أولادهم بشكل مرضي وفاشل. الأب يقتل نفسه في "العربدة" والوظائف المؤقتة فقط ليؤمّن لابنه ثمن السجائر، والملابس ذات الماركات، ووقود السيارة. المهم ألا يشعر الولد بنقص. لقد ربّوا جيلاً من "الأمراء بلا مملكة"، شباباً يملكون صفراً من المناعة النفسية، ولا قدرة لديهم على تحمل مشقة أو قبول سلطة صاحب عمل.

اليوم، في عام 2026، يجلس إياد على الرصيف في الحارة، وينظر إلى الواقع بعيون تطاير منها الشرر. الدولة تعرض عليه "حلولاً" مهينة: دورات تأهيل مهني ليعمل 9 ساعات يومياً، يبتلع فيها الإهانات، ليعود إلى بيته بـ 7000 شيكل في الشهر. في بلادنا اليوم، هذا المبلغ لا يشتري ربع غرفة. اللعبة ملعوبة ومحسومة سلفاً. هو يعلم أنه حتى لو عمل كالحمار حتى سن الستين، فلن يصل إلى شقة أبداً. إذن، لأجل ماذا ينهض صباحاً؟ ليعمل بجد ويبقى فقيراً؟

وفي المقابل، يعرض عليه الشارع البديل الوحيد الذي "يؤتي ثماره": المال القذر من منظمات الجريمة. مال سريع، مجنون، يجلب احتراماً مزيفاً وسيارة فارهة في أسبوع. وهنا، يصاب الوالدان بالشلل التام من الرعب. يعلمون أن أي كلمة، أي محاولة للضغط عليه ليخرج ويعمل في "وظيفة طبيعية"، قد تدفعه دفعاً إلى دوامة الشارع – تلك الدوامة التي باتت تنتهي في السنوات الأخيرة بجنازة وقبر قبل سن الـ 25. لذلك، يفضلون الصمت، ويمدون أيديهم بمئة شيكل أخرى، ويتركونه يتعفن في البيت. عاطل عن العمل، محبط، لكنه على الأقل لا يزال حياً.

والدولة؟ الدولة لا تهتم، ولم تهتم يوماً. لو كانت هناك إرادة حقيقية، لتجففت منابع الجريمة بيد من حديد، ولأُقيمت المصانع والشركات الكبرى داخل البلدات. لكن السياسيين يفضلون صب الملايين على خطط تجميلية ورقية ليقولوا للإعلام "لقد فعلنا شيئاً"، بينما الشارع يحترق.

لا تنتظروا نهاية سعيدة. لا توجد هنا نهايات سعيدة. هذه الأزمة لن تُحل لأن إياد "سيستيقظ" ذات يوم ويقرر تعلم التكنولوجيا الهايتك. الواقع أشد سادية وقسوة. التغيير سيأتي فقط عندما يسحق "الجدار الاقتصادي" هذه البيوت بالكامل. سيأتي عندما ينتهي مال جيل الآباء العجائز نهائياً، عندما تتبخر مخصصاتهم التقاعدية الهزيلة أمام الغلاء الفاحش، ولا يتبقى في جيوبهم شيكل واحد يعطونه للولد ليشتري سجائره.

سيحدث ذلك عندما يلتقي الجوع والخوف من رصاص الشوارع معاً داخل غرفة المعيشة. فقط عندما يصبح الخيار إما الخروج للعمل في أي مهنة، مهما كانت شاقة ومذلة، أو الموت جوعاً – عندها فقط سيتزحزح هذا الجيل. ليس من باب الطموح، ولا من باب الأمل – بل من باب اليأس الخالص وغريزة البقاء الحيوانية. وحتى يحدث ذلك، سيستمر إياد في الجلوس على الرصيف، يحدق في ساعته، ويراقب حياته وهي تمر وتتبدد دون أي أفق أو مستقبل.

vital_signs قد يهمك ايضا