اغلاق
اغلاق

اليسار الاشتراكي – نهج العبثية | بقلم لمحامي يحيى دهامشة - رئيس المكتب السياسي للحركة الإسلامية والأمين العام للقائمة العربية الموحدة

وازكام, تم النشر 2023/01/05 14:41

اليسار الاشتراكي – نهج العبثية

 

المحامي يحيى دهامشة - رئيس المكتب السياسي للحركة الإسلامية والأمين العام للقائمة العربية الموحدة

مقدمة تاريخية قصيرة 

ذكرتُ آنفًا أنّه ومن خلال هذه المقالات سأجيب عن عدة تساؤلات، يجب أن تُطرح أمام مجتمعنا لنفهم كيف سيطرت قوى سياسية معينة على الرأي وصناعة الرأي في مجتمعنا العربي في الداخل، وكيف استفحلت سيطرتها على الساحة السياسية بعد نشوء طبقة متوسطة عند المجتمع العربي داخل إسرائيل.

هذه القوى تمثلت في السابق في الحزب الشيوعي، وفيما بعد الجبهة، وفي مرحلة متأخرة أضيفت إليهما الحركة التقدمية، يتلوها التجمع كاستمرارية لنفس الفئة. كل هذه القوى محسوبة على قوى اليسار الاشتراكي، وهي تفكر كما يفكر اليسار الاشتراكي، وتستخدم نفس أساليبه في وضع الأهداف السياسية والسبل والأدوات لتحقيقها. صحيح أنّنا في الحقيقة نتحدث عن أحزاب مختلفة، ولكن على أرض الواقع، المشارب الفكرية لهذه الفئات السياسية واحدة، وهي متشابهة جدًّا في خلفيتها وفي أطر تفكيرها.

وقد يسأل سائل: فإن كنت قد زججت بالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في خانة الأحزاب اليسارية الاشتراكية فهذا مفهوم، فهي عبارة عن إطار أسّسه الحزب الشيوعي الإسرائيلي، فما علاقة التجمع؟ أقول: إنّك لو سألتهم فلا أظنّهم ينكرون ذلك. ثمّ إنّ خطاب التجمع وأساليبه وسلوكه تدل على أنّه كذلك، فخطابه مؤسّس في شطره الأوّل على نقد فريدريك إنچلز للأخلاق الرأسمالية بعد قومجته في إطار يلائم المكان والزمان، ويمكن اختزاله بأن يتوجّب على دولة إسرائيل أن تعطينا حقوقنا لأنّ من الواجب عليها أن تعطينا حقوقنا. كيف ستعطيك؟ وما هو مشروعك لجعل دولة إسرائيل تعطيك حقوقك؟ هنا يتوقفون؛ وبعدها ينتقلون مباشرةً إلى الشطر الثاني ويُنَظّرون لمبدأ المساواة من خلال شعار "دولة جميع مواطنيها"، وهي محاولة تطبيق فعلية للمدرسة النقدية الماركسية الما-بعد-حداثية، بعد التحول في اليسار من خطاب "الحاجة" إلى خطاب "المساواة".

ومن هنا أيضًا جاءت معركة المزاودات بين الجبهة والتجمع منذ أكثر من عشرين عامًا، في منافسة على القواعد الشعبية؛ مزاودات كان لها دور في إيصالنا إلى ما وصلنا إليه من حالة مزرية في الأداء السياسي، سواء على مستوى النضال الشعبي أو البرلماني.

طبعا هذه المقالات ليست محاكمة تاريخية لهذه الأحزاب، فلست من هاوي المحاكمات التاريخية، فما كان من أحداث لا يمكن تغييره، ولا أريد أن أقع دون انتباه في مغالطة الحكم على الماضي من موقع الحاضر (Presentism fallacy)، وبكل الأحوال لا يستطيع أحد أن يُنكر، أنّ من قياداتنا العربية في الداخل من المحسوبين على هذا الفكر، من كانوا صادقين في عملهم السياسي وآمنوا بما يقومون به، لاعتقادهم أنّ هذا الفكر هو ما يخدم حقيقةً مجتمعنا ويحقق أهدافه، ولا أحد يستطيع أن يُنكر أيضًا، أنّ لخطاب اليسار الاشتراكي سحرًا استهوانا كأقلية مستضعفة على أرضها، جُلّها من العمال والفلاحين (من بقي من الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل بعد قيامها)، فكيف لا يستهوي فئة من هذا النوع خطاب يدّعي أنّه يكافح في جوهره من أجل الطبقات المستضعفة الكادحة ويناضل من أجلها؟!

ولكن هذه الحقبة انتهت، أقصد الحقبة التي كان فيها يُظن أنّ هذا الفكر قادر على إنتاج أدوات سياسية وسلوك يؤدي إلى تحقيق أهداف مجتمعنا لتجعل منه مجتمعًا أفضل في عيشه، عزيزًا كريمًا على أرضه. فمهم جدًّا أن نفهم ما هي مواضع الإخفاق عند هذا الفكر، وكيف يفشل دائمًا في تحقيق أهدافه، ولماذا يفشل، ولماذا فقدت هذه الأحزاب اليوم شرعيتها بعد أن أصبح المجتمع العربي في الداخل بالنسبة لها مجرّد مخزن أصوات ورافعة لأجل تحقيق مآربها الحزبية الضيقة لا أكثر؛ وبعد أن أصبحت تتباكى بلا خجل، وتستجدي مجتمعنا بأن ينقذها من السقوط، كما شهد الجميع في الحملة الانتخابية الأخيرة للكنيست الـ25، بعد مرحلة من حرب المقاعد التي أداروها بينهم، والتي انتهت بمعركة السدس مقعد وأفضت إلى فتك الحزب الشيوعي والجبهة بحليفهم - التجمع.

سأذكر في هذه المقالة أهم سمات هذا الفكر وميزاته، وفي مقالات متأخرة، سنغوص في جوهر الخلفية الفكرية لهذه الأحزاب، ومن أين جاءت مسوغات سلوكها السياسي، ومنطلقاتها الفكرية والفلسفية، ليس في مجتمعنا العربي فحسب، بل في المنبع الفكري لهذه الأحزاب، فهم ليسوا مبدعين، فما ترونه من سلوك وترويج لأفكار هذه الأحزاب في مجتمعنا العربي ليس أكثر من استحضار لأفكار مارستها وتمارسها أحزاب شبيهة بهم في أوروبا والعالم الغربي بشكل عام؛ تابع ما تفعله أحزاب اليسار الاشتراكي في أوروبا الغربية اليوم، وستفهم ما سيقوم به الجبهة والتجمع بعد سنوات قليلة عندنا. راجع ما كتبه مفكرو وفلاسفة مدرسة فرانكفورت قبل خمسين عامًا، وستدرك لِمَ تتصرف هذه الأحزاب كما تتصرف اليوم. ومن خلال السرد سنوضح، لماذا تفشل هذه الأحزاب دائمًا في تحقيق أهدافها السياسية، وإن تحققت بعض هذه الأهداف، فستجد أنّ من حققها ليسوا هم بل خصومهم من أحزاب اليمين.

إنّ من أهم سمات هذه الأحزاب وما يميزها عن غيرها هو كالتالي (طبعًا القائمة ليست نهائية، وأعرض هنا أبرزها):

 

فلسفة مثالية طوباوية

تنطلق هذه الأحزاب من منطلقات فلسفية مثالية، تبدأ تحديدًا مع الفيلسوف الألماني هيغل وتتطور لأشكال مختلفة، من خلال ماركس مرورًا بنيتشه وانتهاء بفلاسفة ما بعد الحداثة بعد فشل الأنظمة الشمولية. هذه الأحزاب عندها تصوّر -في معظم الأحيان غير مفهوم- لشكل معين من أشكال الدولة، يُنظرون له من خلال تفعيل منظومة خطابية ضبابية، لن يخبروك بتفاصيله ولن يضعوا لك برنامجًا واضحًا للوصول إليه، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وترك فكرة إقامة الأنظمة الشمولية. بمعنى أنّ هذه الأحزاب تسعى للوصول إلى شكلٍ معين من أشكال الدولة والنظام؛ في حين أنّ القائمة العربية الموحدة، تعمل بشكل مختلف تمامًا، حيث تسعى إلى تشخيص المعضلات الرئيسية لمجتمعنا ومواطن الضعف والمرض، وعلاجها من خلال مواقع التأثير، بخطط معروفة ومدروسة مسبقًا، وليس من خلال تصور مثالي معين لشكل الدولة، تلهث للوصول إليه (ولن تصل).

لذلك ستجد في أرشيف اليسار خطابات مطولة حول إحلال "العدالة الاجتماعية"، لكنك لن تفهم ولن يطلعوك عن أي عدالة يتحدثون، وما هو مصداق تحققها.

وكذلك خطاب "دولة جميع مواطنيها"، فلا تصور واضح عن ذلك، بل هو خطاب يزداد ضبابية عندما يصطدم بدولة "يهودية وديمقراطية" فيبدأ التلون والنفاق والتبريرات في أنهم يتحدثون ويطالبون بالمساواة، ممّا يعيدهم إلى المربع الأول حول "المساواة والعدالة الاجتماعية".

مثال صارخ لهذه الحالة كان في الحملة الانتخابية الأخيرة حيث ألهب النائب السابق سامي أبو شحادة المشاعر في خطاب أمام إخواننا في النقب، عندما قال أنّ الهدف من العمل السياسي بخصوص أهلنا في النقب، بما يخص 'سلطة توطين البدو' على سبيل المثال، "ليس التفاوض مع هذه السلطة الجائرة، بل إلغاؤها"، لكنه لم ولن يخبر أهلنا في النقب ولا بأي حال من الأحوال، كيف سيقوم بإلغاء هذه السلطة، وما هي خطته لإلغائها، وما هي الخطوات التي سيقوم بها في سبيل ذلك.

واليوم يمكن أن نقول أكثر من ذلك، في أنّ هذا التبجح في الخطاب جاء بعد عام ونصف من تعاون النائب ذاته وتنسيقه في المعارضة مع بن غفير وسموترتش (وبعد أن ساهم في أن يكون مطية لعودتهم للسلطة من خلال سلوكه السياسي الهزيل، وحرقه ما يزيد عن مائة ألف صوت) وهؤلاء، أي بن غفير وسموتريتش، كما نعهد خطهم السياسي، آخر من يفكر في إلغاء سلطة توطين البدو، بل هم من يحارب من أجل إبقائها وشحذ بنانها في مواجهة أبناء شعبنا. فأي تناقض هذا بين التنظير والممارسة؟!

 

قابلية لهدم كل ما هو قائم

الفكر الاشتراكي بشكل عام، مستعد أن يتنكّر لكلّ ما هو مألوف ومتّبع، فهذا الفكر يدّعي أنّ البشر قادرون على بناء مؤسساتهم ومجتمعاتهم بصورة وضعية نتيجة التطور المعرفي والتكنولوجي الذي وصلوا إليه (سنتطرّق لهذه النقطة في المقالات المقبلة). فمثلًا؛ عند كثير من القوى الاشتراكية لا توجد أيّ مشكلة في هدم مؤسسة الأسرة المعهودة عند البشر - والمكونة من ذكر وأنثى - وبنائها من جديد بأشكال أخرى، وبذلك، بناء قوانين ميراث جديدة كون القوانين المتبعة، سواء بمصدرها الديني أو غيره، هي نتاج تراكمات غير عادلة من عقد وعاهات اجتماعية أو دينية ينعتونها بالمتخلفة والرجعية. ومن هنا سر عدائهم للأديان، سواء الظاهر منه، عند شجعانهم، أو المخفي، عند منافقيهم.

لم يتورع اليسار الاشتراكي في التنظير لإمكانية بناء منظومة أخلاقية بشكل علمي ومن لا شيء، وإنتاج قيم أخلاقية إنسانية عالمية مشتركة بشكل وضعي. رغم أنّ كلامهم هذا فيه مغالطة، فكلما يتحدث اليساري الاشتراكي عن القيم الإنسانية، هو في الحقيقة لا يتحدث عن القيمة ذاتها، بل عن مصداق القيمة.

 

استفزاز دائم للأغلبية 

اليسار الاشتراكي هو أقلية في الأنظمة الديمقراطية الغربية (مع أنّ أتباعه عندنا يحاولون تسويق أنفسهم كوكلاء التقدم والحداثة الغربية)، رغم أنّه سيطر في مجتمعنا العربي في الداخل، نتيجة للظروف التاريخية التي مررنا بها.

لكن وبما أنّ منظومة اليسار الفكرية تتيح له بأن يأتي دائمًا بأفكار غريبة عن المألوف بين الناس، فهو في سعي دائم من أجل إظهار أفكاره، كما تلحظون في الغرب الممارسات لفئات الخضريين والمدافعين عن البيئة والجمعيات النسوية وجمعيات المثلية الجنسية (الكوير) التي بلا شك نرى بوضوح حضورها من خلال "مسيرات الفخر"، فعند هذه الفئات دائمًا توجد طرق وأساليب في الاحتجاج تتفنن في محاولة استفزاز الرأي العام. هناك اعتقاد عند اليسار بأنّ هذه الحالة من الاستفزاز الدائم للأغلبية من خلال تحدي السائد والمتبع، هي الطريقة لفرض أفكارهم وجعل المجتمع يتقبلها، وهم يطلقون على هذا النوع من الممارسات اسم "نضال". 

وهنا لن أناقش اليسار في حقه بالعمل من أجل فرض أفكاره وما ينادي به، ولكن مشكلتنا كمجتمع عربي تبدأ معهم عندما "يقومجون" ممارساتهم اليسارية كالتي ذكرت أعلاه، مدعين أنّ هذه الأدوات هي الوسيلة لتحقيق غاياتنا كمجتمع داخل دولة إسرائيل، وليس ذلك فقط، بل يزعمون أنّ هذه الطرق هي الوحيدة الكفيلة بتحصيل حقوق مجتمعنا أمام الدولة، ومن يتجرأ على أن يسلك نهجًا آخر عنهم، سيتعرض مباشرة لإرهاب فكري يحاولون من خلاله تشويه الحقائق من خلال الألفاظ القاسية والشتائم والنبز (هذا الأسلوب متّبع عند هذه الأحزاب وأمثالها في الغرب أيضًا وليس فقط عندنا).

لا يفهم أحد من كلامي هذا بأنني أحاول تقزيم الاحتجاج الشعبي أمام مؤسسات الدولة كأداة لنيل الحقوق، فلا أنكر أنّ الاحتجاج والتظاهر من أساليب النضال، كما لا أنكر أنّ هذه الأدوات تحقق أهدافها في أحيان وظروف معينة، ويمكن أن أذكر مثالين فقط من السنوات الأخيرة، وهي أزمة أجهزة كشف المعادن عند بوابات الأقصى وأزمة مخطط براڤر. ففي كلتا الأزمتين، أثبتت الاحتجاجات الشعبية السلمية نفسها كأدوات نضال وضغط حققت أهدافها.

لكن اليسار يريدك أن تبقى في حالة "نضال" دائم لكي تصل إلى تحقيق أهداف ليست مفهومة من أصله، فليس صدفة أن انتقد د. عزمي بشارة دخول الموحدة ائتلافًا حكوميًّا بعبارة: "هناك أحزاب عربية ضاقت ذرعًا بالنضال"، فالرجل يريد للمجتمع العربي داخل إسرائيل أن يبقى في حالة احتجاج مستمرة، ويطالب مجتمعه والقوى السياسية فيه بذلك (بينما يقبع هو في قطر ويُنظّر لنا من استوديوهاتها)، ولن تجده على استعداد أن يسائل حزبه الذي أسسه من ستة وعشرين عامًا ماذا حقق في مشوار نضاله غير الإخفاقات، سواءً على المستوى الحزبي أو مستوى القيادات. 

في المرحلة القادمة، سأقدّم عرضًا للفكر الاشتراكي بشكل عام، وكيف اعتمد هذا الفكر العلومَ بشكل مغلوط، لبناء منظومات -ادّعى أنّها علمية- لقراءة المستقبل وإدراك الواقع.

heightقد يهمك ايضا