اغلاق
اغلاق

الأصولية الشيوعية وجذورها الإستبدادية بقلم الاستاذ عبد الكريم عزام

WAZCAM, تم النشر 2020/12/12 13:14

المقال الأول : الأصولية الشيوعية وجذورها الإستبدادية 

 

عبد الكريم عزام

 

في لقاء للقيادي البارز في الحزب الشيوعي الإسرائيلي السيد منصور دهامشة صدرت منه مقولة إستوقفتني طويلا (مرفق تسجيل المقطع في نهاية المقال) حول موقفه الرافض بشكل واضح من الشذوذ، وأكد السيد دهامشة أن موقفه نابع من لب الأدبيات الفكرية الشيوعية الماركسية.

مما لا شك فيه أن السيد منصور دهامشة واع تماما لمقولته هذه وهويشغل مكانة متقدمة جدا في قيادة الحزب والجبهة-السكرتير العام للجبهة- وهو الإنسان المثقف واسع الإطلاع على الأدبيات الفكرية الشيوعية. وقد استوقفتني مقولة دهامشة لأنني أؤمن أن الإنسان يولد على الفطرة وأن الدين أقوى في نفس الانسان من أي فكر آخر حتى لو عاند وجحد وكان لمؤثرات خارجية بعض الاثر في مفاهيمه وتصوراته وفهمه للأشياء. ودهامشة عبًر في مقولته عن الصراع الذي يحاول الشيوعيين طمسه ما بين الفطرة السوية والشذوذ. وهي ليست الحالة الاولى التي يحاول فيها الشيوعيين قمع الفطرة وطمسها تحت مسميات واهية مثل الرجعية والتخلف وكل ما يحويه بنك المصطلحات الشيوعي الزاخر.

وكما ذكر الإعلامي المتالق يزيد دهامشة في ذات اللقاء "أنه نتيجة هكذا تصريح ستكون هناك هجمة شرسة على الأستاذ منصور دهامشة من قبل شيوعيين اخرين" وهذا حقا ما كان! فقد جاء الرد سريعا من قيادي آخر في الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو سهيل دياب الذي طالب دهامشة بالإعتذار للشيوعيين أو تقديم استقالته فورا واصفا مقولة دهامشة أنها لا تمت لمبادىء الشيوعية بصلة وأنه أي دهامشة يسعى من وراء مقولته "إرضاء "كمال الخطيب"(الشيخ كمال خطيب)وسائر الأصوليين"!

وهنا كانت وقفتي ودهشتي أعمق من السابقة ليس نتيجة موقف دياب الصارم من قضية الشواذ واعتباره تصريح رفيقه تحريفا لمواقف الحزب وتهديدا "لمصالحه" ولا أعلم صدقا ما هي مصالح الحزب الشيوعي مع "الشواذ".

إنما دُهشت لمطالبته من رفيقه بشكل دوغماتي : الإستقالة أو الإعتذار! ثم استعماله عبارة "أصولية" في غير سياقها الموضوعي لكن السيد دياب والكثيرين من الشيوعيين كما أشرت سابقا لديهم مصرفا من العبارات الجاهزة للإستعمال لوصف غيرهم ممن يعارضهم بعبارات مثل : ظلاميين, أصوليين, رجعيين, وقائمة تطول ولا تنتهي.

ولن أقف مطولا عند لغة دياب التعبيرية التي تفتقر إلى أبسط قواعد الحوار بفرضه على رفيقه أحد خيارين : الإستقالة أو الإعتذار, إنما ساحاول الوقوف عند استعماله عبارة "الأصولية" وتوضيحها بشكل موضوعي بعيد عن استعمالها السائد والذي يشار من خلاله عادة إلى الاسلاميين.

إن مصطلح أصولية بإجماع الباحثين مرده إلى البيئة الثقافية الاوروبية-الأمريكية وقد استعمل لأول مرة في مطلع القرن العشرين في إطار جدلي كنسي حول النزعة المحافظة المتشددة في تفسير الدين والنزعة التحررية الحداثية. لكنني لن أخوض في جذور وتفرعات المصطلح إنما ساكتفي بالمعنى السائد للأصولية الذي يقصد فيه التمسك بأصول الفكر وجذوره وفي بعض الأحيان يتداخل هذا التمسك بقوة في مفهوم الفاشية والشمولية.

ولقد درج الكثيرون على وصف "الحركات الدينية" بالأصولية, ومنذ سبعينيات القرن الماضي يكاد ينحصر هذا الإستعمال على الحركات الإسلامية, ويتم إستعماله بنبرة سلبية لوصم الحركات الإسلامية بالتشدد ورفض الآخر. مع أن هذا المصطلح في أساسه أوروبي المشارب يتناسب بشكل واضح مع الواقع الفكري والعملي للنظرية الشيوعية التي نشات في أوروبا بعيدا عن العالم الإسلامي. فالاسلام سواء كدين رسمي أم كمنظومة فكرية وسلوكية بعيدا كل البعد عن ما يرمي اليه الاستعمال الدارج لكلمة أصولية بخلاف الفكر الشيوعي الذي هو وليد الحضارة الاوروبية والذي رغم كونه قد جاء كنقيض للفكر الأصولي الكنسي, إلا انه تأثر في العديد من أبجدياته في الأصولية الكنسية وبقي ضمن إطارها الثقافي والحضاري. ولا اتحدث هنا عن المسيحية كدين سماوي منزل من السماء إنما عن الفكر الكنسي البشري الذي حكم اوروبا طويلا وحجب عنها جوهر التدين السليم.

لقد تبنت الاصولية الشيوعية العديد من مقومات وملامح  الفكر الكنسي الذي هو من صنيع رجال الدين, ولا أقول الدين, مثل تأثرها بمنطق صكوك الغفران, وقداسة الحاكم والسلطة, وحتمية التاريخ ودكتاتورية البروليتاريا وغير ذلك من المفاهيم التي هي من صميم الفكر الاوروبي الكنسي ثم تم استعمالها في الاصولية الشيوعية وكانها تجديد فكري أو نقيض لما تداولته اوروبا حينها.

صكوك رجال الدين في أوروبا مقابل بريق سيوف رجال الثورة :

إن فكرة صكوك الغفران في الفكر الاوروبي قامت على أساس وجود فئة متحكمة ليس فقط في حياة  الشعوب الدنيوية إنما تتحكم أيضا في مصائرهم الأخروية, وقد تبنت الاصولية الشيوعية نفس المنطق لكن باستعمالها عبارات تبدو مغايرة في ظاهرها لكنها لا تختلف في جوهرها عن مصطلحات العصور الوسطى. فبينما يُطلق المؤرخون وعلماء الاجتماع على من يعطي صكوك الغفران مصطلح "رجال دين" فإن الاصولية الشيوعية تطلق عليهم لقب "بروليتاريا"وهي الطبقة التي لا خلاص للبشرية إلا من خلال تسلطها لكن منطقها في جوهره لا يختلف عن منطق رجال الدين في أوروبا خاصة أن أدبيات الأصولية الشيوعية اطلقت على هذه الفئة تسمية "دكتاتورية البروليتاريا".

لقد كرست الأصولية الشيوعية"اصطفاء" هذه الفئة ومركزيتها لأجل تفسير الواقع والتاريخ تفسيرا لا يقبل الجدل ولا يقبل تعدد الرؤى تماما كما اصطفت الكنيسة رجال الدين لتفسير واقع الناس, وكما تم نصب المشانق لمن يعارض رجال الدين من فلاسفة وعلماء وأدباء تم نصبها لمن يعارض الثوريين واحتكارهم للفهم والمعرفة والتاريخ.

لقد خرجت الأصولية الشيوعية من رحم العداء لرجال الدين في أوروبا وبقيت ابنة لذلك الرحم وما انفصلت عنه الى يومنا هذا ! وقدمت الأصولية الشيوعية نفسها كبديل لأصولية رجال الدين لكن بنفس منطقهم ومفرداتهم.

وتم تأكيد هذا الرباط بين الاصوليتين عندما تم اعتبار الثورة في روسيا نموذجا لا بد من تبنيه وتصديره في العالم كله دون أي اعتبار للفوارق الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وهو نفس المنطق "الاستعماري" الذي يقوم على فكرة تصدير العقل الاوروبي إلى العالم أجمع واستعباد الشعوب وصناعة "الانسان الواحد" في كل مكان وهذا هو جوهر الفهم الاصولي. لقد وضعت الأصولية الاوروبية ذاتها من خلال رجال الدين في موقع الوصاية على البشرية فقامت باستعمارها ونهب خيرات الشعوب خارج اوروبا تماما كما فعلت الأصولية الشيوعية التي وضعت النظرية موضعا فوق النقد وفوق الجدال باعتبارها حتمية تاريخية ثابتة وعلى البشرية طوعا او كرها تبنيها.

ومن خلال هذا الفهم وصلت الأصولية الأوربية الى أفريقيا واسيا رافعة شعار الحروب الصليبية ونشر تعاليم السيد المسيح وهو بريء منها كل البراءة تماما كما وصلت الاصولية الشيوعية الى الشعوب الفقيرة المظلومة تحت شعارات براقة جذابة. وكما وصلت حملاتها الأصولية إلى الصين من خلال ماوتسي تونغ تحت الراية الحمراء لتغتال تاريخ شعب عريق قدم للبشرية الكثير وبالحديد والنار تم فرضها على شعب مسالم وادع.

الاسلام والاصولية:

إن الفهم الاسلامي لمعنى الأصولية مغاير تماما للمفهومين السابقين, عدا عن كون الاسلام من حيث الممارسة العملية لا يقترب من هاذين المفهومين للأصولية. فالإسلام لم يسع يوما لفرض معتقداته وافكاره على الاخرين, والتاريخ يشهد بذلك. لقد تميزت حضارة الاسلام بالاحتواء والحوار والموعظة الحسنة وهي مصطلحات ثقافية مغايرة عن منطق الاصولية الشيوعية والاصوليات الاخرى. ويكفي أن نشير الى شبه القارة الهندية وكيفية تعامل الاسلام مع اهلها وتقبله لتعدد الاديان والثقافات والتي بعضها يتناقض مع جوهر الاسلام. ثم إن الاسلام لم يدّع يوما احتكاره للاخلاق والمكارم وجاء بنظرة راقية فوق الاعراق والاجناس والاديان . قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

"يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"

وجاء في الحديث الشريف " إنما بعثت لأتمم صالح الاخلاق", وفي حديث آخر يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفكرة بقوله: " إم مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه واجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال :فأنا اللبنة وانا خاتم النبيين".

هذه هي بعض ملامح أصول الفكر الاسلامي هذا إذا تحدثنا عن الاصولية بمفهومها الذي يعني العودة الى الاصول الفكرية والسلوكية (وان شاء الله لي مقال في ذلك لاحقا),  هذه الأصول الثابتة التي تقوم في جوهرها على فكرة الحوار والتدافع والتنوع البشري وليس على "الحتميات التاريخية واحتكار المنطق.

من هنا قبل الخاتمة اعلق مختصرا على حوار الرفيقين حول الشذوذ: يبدو أنd أصول الفكر الشيوعي في نشأتها قد ولدت من رحم الاصولية الكنسية واليوم تعتاش على الاصولية الليبرالية المتقلبة وفق الهوى والنزوات الاعلامية والمصالح السياسية.

heightقد يهمك ايضا